ابن عجيبة
584
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكّرهم بالنعم ، عليهم ينقادوا بملاطفة الإحسان فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 71 إلى 73 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أي : أعملوا ولم يعلموا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أي : أظهرته قدرتنا ، ولم يقدر على إحداثه غيرنا . وذكر الأيدي ، وإسناد العمل إليها ، استعارة ، تفيد مبالغة في الاختصاص والتفرد بالإيجاد ، أَنْعاماً ، خصّها بالذكر ؛ لما فيها من بدائع الحكمة والمنافع الجمة . فَهُمْ لَها مالِكُونَ أي : خلقناها لأجلهم ، فملكناها إياهم ، فهم يتصرفون فيها تصرّف المالك ، مختصّون بالانتفاع بها . أو : فهم لها حافظون قاهرون . وَذَلَّلْناها لَهُمْ ؛ وصيّرناها منقادة لهم . وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله وتسخيره لها . وبهذا أمر الراكب أن يشكر هذه النعمة ، ويسبح بقوله : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ « 1 » فَمِنْها رَكُوبُهُمْ أي : مركوبهم ، وهو ما يركب منها ، وقرىء بضم الراء ، أي : ذو ركوبهم . أو : فمن منافعها ركوبهم . وَمِنْها يَأْكُلُونَ ؛ ما يأكلون لحمه ، أي : سخرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها . وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ من الجلود ، والأوبار ، والأصواف ، وغير ذلك ، وَمَشارِبُ من اللبن ، على تلونه من المضروب وغيره ، وهو جمع : مشرب ، بمعنى : موضع الشرب . أو : المصدر ، أي : الشرب . أَ فَلا يَشْكُرُونَ نعم اللّه في ذلك ؟ إذ لولا إيجاده إيها لها ما أمكن الانتفاع بها . الإشارة : قوم نظروا إلى ما منّ اللّه إليهم من المبرة والإكرام ، فانقادوا إليه بملاطفة الإحسان ، فعرفوا المنعّم ، وشكروا الواحد المنان ، فسخّر لهم الكون وما فيه ، وقوم لم ينجع فيهم سوابغ النعم ، فسلّط عليهم المصائب والنقم ، فانقادوا إليه قهرا بسلاسل الامتحان ، « عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل » « 2 » ، وكل هؤلاء سبقت لهم
--> ( 1 ) الآية 13 من سورة الزخرف . ( 2 ) لفظ حديث ، أخرجه البخاري في ( الجهاد ، باب الأسارى في السلاسل ، ح 3010 ) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي اللّه عنه .